أزمة دارسي اللغة العربية في إفريقيا: حين يُختزل العلم في الفتوى، وتتحول الشهادة إلى صَنم!

إن من أبرز مشكلات بعض دارسي اللغة العربية في إفريقيا ضعف العقل الإنتاجي، والانحصار في دائرة ضيقة من النقاشات الشرعية والجدالات الخلافية، حتى أصبح بعضهم يقضي ساعات في الرد على فلان، وتتبع أخطاء علان، والتبديع والتضليل، بينما لا يمنح القدر نفسه من الوقت للتفكير في مشكلات التعليم والاقتصاد والإدارة والتنمية.
إن المشكلة ليست في العلوم الشرعية، وإنما في اختزال العلم كله فيها، وليست في الفتوى، وإنما في جعلها غاية المعرفة ومنتهى التفكير. فاللغة العربية لغة علم وأدب وفلسفة وإدارة واقتصاد، وليست مجرد وسيلة لحفظ المتون وتكرار النقاشات. فما قيمة أن يتقن الإنسان لغة عظيمة، ثم يعجز عن توظيفها في معالجة مشكلات مجتمعه أو إنتاج معرفة نافعة له؟
ومن المؤسف أن بعض من يتصدرون المجالس بألقابهم الأكاديمية يظنون أن الشهادة وحدها دليل على التفوق، وأن اللقب يمنح صاحبه حق احتقار الآخرين أو التقليل من شأنهم. والحقيقة أن الشهادة مهمة، لكنها ليست المعيار الوحيد للعلم والكفاءة؛ فهناك من يحمل شهادات عليا ولا يملك من القدرة العملية ما يتناسب معها، وهناك من تعلموا في بلدانهم ولم يسافروا قط، لكنهم يمتلكون علمًا وخبرة وفهمًا عميقًا يستحق التقدير.
السفر فرصة، وليس شهادة تفوق مطلقة؛ والشهادة وثيقة أكاديمية، وليست صكًّا لاحتكار العلم. فلا الخارج يضمن التفوق، ولا الداخل يحكم بالتأخر. وإنما الفارق الحقيقي تصنعه جودة التكوين، وعمق الفهم، وصدق الاجتهاد، والقدرة على توظيف المعرفة.
والأدهى أن بعض العائدين من الخارج ينسون فضل البيئة التي نشؤوا فيها، ويستخفون بمن لم تتح لهم فرص السفر، وكأن العلم لا يُكتسب إلا وراء الحدود. وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾. فمن حق الطالب أن يخالف أستاذه بالدليل، لكن ليس من حقه أن يحوّل شهادته إلى وسيلة لإهانة من علّمه أو سبقَه في العلم والخبرة.
إننا بحاجة إلى إعادة النظر في مناهجنا التعليمية، وتشجيع دارسي العربية على الانفتاح على الاقتصاد والإدارة والتكنولوجيا وريادة الأعمال والبحث العلمي، حتى يصبحوا قادرين على تأسيس المشاريع، وتطوير المؤسسات، ومعالجة مشكلات مجتمعاتهم. فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الجدل العقيم بقدر حاجته إلى عقول تفكر، وأيدٍ تعمل، ومؤسسات تنتج.
ولا يعني ذلك التقليل من شأن العلوم الشرعية أو الدعوة إلى تركها، وإنما الدعوة إلى التكامل بين العلم والعمل، وبين المعرفة النظرية والتطبيق العملي. فليس كل فقيه اقتصاديًّا، وليس كل لغوي خبيرًا بالإدارة، وليس من الحكمة أن يتصدر الإنسان لكل مجال دون أدواته العلمية.
3
إن أسهل شيء أن تنتقد عمل الآخرين، وأصعب منه أن تقدم عملًا أفضل؛ وأسهل شيء أن تكشف عيوب مشروع قائم، وأصعب منه أن تؤسس مشروعًا ناجحًا. لذلك، بدلًا من استنزاف الطاقات في الخصومات والسخرية من المخالفين، لنجعل من علمنا وسيلة للإصلاح والبناء، ومن اختلافاتنا فرصة للتكامل، ومن شهاداتنا مسؤولية تجاه مجتمعاتنا.
إن العلم الذي يجعلك تحتقر الناس يحتاج إلى مراجعة، والشهادة التي تجعلك تتعالى على أبناء مجتمعك لم تحقق رسالتها فيك، واللغة التي تتقنها دون أن تستطيع توظيفها في بناء واقعك لم تستثمر إمكاناتها كما ينبغي.
فيا دارسي اللغة العربية في إفريقيا، ويا من عدتم من جامعات الخارج: تواضعوا للعلم، واحفظوا الفضل، وأنصفوا الناس، ولا تجعلوا الألقاب معيارًا وحيدًا للتفاضل. أعطوا كل ذي حق حقه، واعترفوا بالكفاءة حيثما وجدت، واجعلوا معيار التميز هو العلم النافع، والعمل المتقن، والأخلاق الكريمة.
فقد عرفت شيئًا وجهلت أشياء؛ ومن ظن أنه أحاط بالعلم فقد جهل أول دروسه.
إن الأمة لا تنهض بكثرة من يتحدثون عن العلم، بل بمن يحولونه إلى عمل؛ ولا تتقدم بكثرة الشهادات المعلقة على الجدران، بل بما تصنعه العقول التي تحملها.
فليتأمل كل واحد منا موقعه من هذه الحقيقة، قبل أن يرفع صوته على غيره، وقبل أن يتباهى بلقبه، وقبل أن يظن أنه بلغ من العلم ذروته.
*إبراهيم باري*
*خريج جامعة القاسمية*
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.