محمد صالح التامك ليس السفير ولا العامل ولا الوالي ولا المندوب العام

يوم الجمعة 16/02/2026 قادتني انشغالاتي إلى مقر الصندوق المغربي للتقاعد بالرباط ، ومررت بالصدفة قرب مقر المندوبية العامة لادارة السجون واعادة الادماج ، وقد هممتُ بالدخول لطلب مقابلة السيد محمد صالح التامك المندوب العام لادارة السجون واعادة الادماج ، ولكن خانتني ليس الشجاعة ، ولكن أصابني عجز طافح خلاصته ماذا سأقول في حضرته أنا من أعوزتني دائما البلاغة l’éloquence ..
اليوم الجمعة 23/01/2026 في أسا استعدتُ مع الإخوة البشير التامك ، وفضلي أكار ، وأحمدناه أباه بعضا من تفاصيل تلك الجمعة ، وجدت في نفسي القدرة على تعويض عجزي في امتلاك سلاح البلاغة ” l’éloquence est une arme ” باستدعاء سلطة الكتابة .. الكتابة عن السيد محمد صالح التامك ليس السفير ولا العامل ولا الوالي ولا المندوب العام .. ولكن الكتابة عن السيد محمد صالح التامك البطل بالمفهوم الفلسفي للمصطلح .. ذلك أن البطولة لا تُفهم في التقليد الفلسفي حدثا استثنائيا ، بل بوصفها عملية تاريخية لتشكّل الذات عبر الانضباط ، وتحويل الشروط المحدِّدة إلى إمكانات للفعل .. فمن أرسطو حيث الفضيلة نتاج الممارسة المستمرة ، إلى الرواقيين الذين جعلوا من السيادة على الذات شرطا للحرية ، وصولًا إلى نيتشه الذي أعاد تعريف البطولة كقدرة على تحويل النقص إلى قوة .. في كل ما سبق ظل البطل هو من يُعيد إنتاج ذاته داخل شروطه الخاصة ، وليس خارجها …
في هذا الإطار يمكن تحليل مسار محمد صالح التامك باعتباره تجسيدا لما يسميه بيير بورديو ” الاستثمار الطويل في الرأسمال الرمزي ” حيث تتحول المعرفة إلى بنية دائمة للذات ، بدل أن تتحول ألى أداة ظرفية للترقي .. فالطفولة المنعزلة = ( محمد صالح التامك طفل وحيد من دون إخوة أشقاء ) لا تُقرأ هنا كمعطى نفسي ، بل تقرأ شرطا أنطولوجيا لتشكّل استقلال داخلي مبكر تُعاد عبره صياغة علاقة الفرد بذاته وبالعالم .. كما أن الطفولة المنعزلة في مسار محمد صالح التامك تسببت في الارتباط الكثيف بالقراءة – الذي استمر بل ازداد داخل فضاء السجن – وكشفت اي القراءة عن ممارسة معرفية يمكن إدراجها ضمن ما سماه ميشيل فوكو ” تقنيات الذات ” أي تلك الممارسات التي يُعيد بها الفرد تشكيل نفسه أخلاقيا ومعرفيا داخل أنظمة القيد.. فالحرية في هذا السياق لا تُعرّف بغياب السلطة ، بل بالقدرة على ممارسة السيادة على الذات داخلها…
وعلى خلاف الأطروحات التي تؤكد القطيعة البنيوية بين السلطة والفكر ، يقدّم مسار محمد صالح التامك مثالا – ربما نادرا – على إمكان تداخل النفوذ المؤسسي مع الانضباط المعرفي المستمر ، حيث تتحول القراءة إلى ممارسة أخلاقية مضادة للتشييء وللاستلاب البيروقراطي .. و بذلك تتجلى البطولة الحديثة ليس في امتلاك القوة / السلطة ، بل في امتلاك الزمن أي في القدرة على تنظيم الذات معرفيا داخل فضاءات السلطة دون فقدان المعنى.. وبشكل اوضح تتجلى البطولة الحديثة في معناها الأعمق في كون من يمتلك وقته يمتلك المعرفة ، و يمتلك ذاته ، ومن يمتلكهما معا يمتلك القدرة على الفعل / السلطة دون أن يفقد المعنى …
ختاما محمد صالح التامك بطل بكل ما تحمل الكلمة من معنى لانه عكس ما نبهت اليه حنة ارندت – ( Hanna arendt ) = المنظرة السياسية -من خطر انفصال السلطة عن الفكر ، لانه استطاع الجمع بينهما ففي كل مسؤولياته الديبلوماسية والإدارية والأمنية ظل وفيا للأستاذ الجامعي الذي يسكنه ويملي عليه تصرفاته ويقوده في اختياراته ويوجهه في قراراته …