OCP 18

بيلماون تحت المجهر: أين صرفت الأموال؟ ومن استفاد؟

متابعة : الحسين أزطام

 

أثارت الدورة التاسعة للكرنفال الدولي “بيلماون” بعمالة إنزكان أيت ملول موجة واسعة من التساؤلات والاستياء وسط عدد من فعاليات المجتمع المدني بمدينة إنزكان وذلك بسبب ما اعتبرته اختلالات واضحة تمس جوهر التمثيلية والعدالة المجالية في تدبير هذه التظاهرة التي يفترض أن تعكس غنى وتنوع كافة مكونات العمالة لا أن تختزل في دائرة جغرافية وتنظيمية ضيقة.

فكيف يمكن الحديث عن كرنفال دولي يحمل اسم عمالة إنزكان أيت ملول في الوقت الذي تتركز أجهزة التسيير والتنظيم داخل جماعة واحدة؟ وكيف يمكن تبرير غياب أي تمثيلية حقيقية لفعاليات إنزكان وأيت ملول وباقي الجماعات رغم مساهمتها المباشرة في تمويل هذا الحدث من المال العام؟

الأكثر إثارة للاستغراب أن مدينة إنزكان التي ساهم مجلسها الجماعي بمبلغ 150 ألف درهم إضافة إلى توفير المنصة الخاصة بالسهرات لم تحظ سوى بسهرتين فنيتين محدودتي الأثر وهو ما يطرح سؤالا مشروعا حول حجم الاستفادة الفعلية للمدينة مقارنة بحجم مساهمتها المالية واللوجستيكية.

أما الكرنفال الرسمي الذي يعد القلب النابض للتظاهرة وأبرز فقراتها فإن مدينة إنزكان لا تستفيد منه إلا بشكل رمزي لا يتجاوز بضعة أمتار بشارع محمد الخامس بينما يمر الجزء الأكبر من المسار داخل النفوذ الترابي لجماعة الدشيرة الجهادية واقع يجعل الكثيرين يتساءلون: هل نحن أمام كرنفال إقليمي فعلا ام أمام تظاهرة محلية يجري تسويقها تحت يافطة إقليمية للاستفادة من دعم مختلف الجماعات والمؤسسات؟

وإذا كانت مسألة التمثيلية والعدالة المجالية تثير الكثير من علامات الاستفهام فإن حجم الدعم العمومي المرصود لهذه التظاهرة يطرح بدوره أسئلة أكثر إحراجا فثلاث جماعات فقط داخل عمالة إنزكان أيت ملول ساهمت بما مجموعه 600 ألف درهم (60 مليون سنتيم) من المال العام دون احتساب مساهمات مؤسسات وشركاء آخرين من قبيل المجلس الجهوي للسياحة ومجلس جهة سوس ماسة وجهات داعمة أخرى.

3

وأمام هذه الأرقام يجد الرأي العام نفسه أمام سؤال مشروع: هل الأنشطة التي تم تنظيمها خلال 5 أيام فقط تعكس فعلا حجم هذه الاعتمادات المالية؟ وهل الأثر الثقافي والعلمي والتنموي المحقق يوازي قيمة الأموال العمومية التي تمت تعبئتها باسم هذه التظاهرة؟ أم أن الأمر يستوجب تقييما موضوعيا وشاملا لمردودية هذا الدعم ومدى تحقيقه للأهداف التي خصص من أجلها؟

ومن بين النقاط التي تستوجب التوضيح كذلك ما تم الترويج له بخصوص احتفاليات “اسوياس” حيث أشارت الجهة المنظمة ضمن حصيلتها إلى تنظيم هذه الأنشطة بعدد من الأحياء التابعة لجماعة الدشيرة الجهادية غير أن اللافت للانتباه هو خروج عدد من شباب وفعاليات بعض الأحياء المعروفة تاريخيا باحتضان احتفالات “أسياس” للتعبير عن استغرابهم من عدم برمجة أي أنشطة بهذه الأحياء خلال هذه الدورة مؤكدين أنهم لم يلمسوا على أرض الواقع ما تم الإعلان عنه، وهو ما يطرح سؤالا مشروعا: إذا كانت هذه الأحياء التي ارتبط اسمها بـ”أسوياس” تؤكد غياب هذه الاحتفاليات فأين نُظمت فعليا؟ وما هي المعايير المعتمدة في احتسابها ضمن حصيلة التظاهرة؟ وهل يتعلق الأمر بأنشطة ذات أثر وحضور حقيقيين أم بمجرد أرقام وعناوين يتم تضمينها في التقارير والبلاغات؟ .

ولعل ما يزيد من حدة الانتقادات هو الغياب شبه التام للبعد العلمي والفكري المرتبط بموروث “بيلماون” فلا ندوات أكاديمية، ولا لقاءات علمية، ولا فضاءات للنقاش والتوثيق والترافع من أجل تثمين هذا التراث اللامادي وكأن المطلوب هو الفرجة فقط بينما يتم إقصاء كل ما من شأنه أن يرسخ القيمة الحضارية والثقافية لهذا الموروث العريق.

إن القضية اليوم لم تعد مرتبطة بسهرة هنا أو نشاط هناك، بل أصبحت مرتبطة بمبادئ الحكامة والشفافية والإنصاف المجالي في تدبير المال العام، فحين تساهم جماعات متعددة في التمويل، يصبح من حق ساكنتها وفعالياتها أن تستفيد بشكل عادل من نتائج هذا الدعم وأن تكون ممثلة داخل دوائر القرار والتنظيم.

وأمام هذه المعطيات تتعالى الأصوات المطالبة بفتح نقاش جاد ومسؤول حول طريقة تدبير هذه التظاهرة والتدقيق في أوجه صرف الدعم العمومي وربط أي تمويل مستقبلي باحترام معايير الشفافية والتمثيلية والعدالة المجالية حتى لا يتحول موروث ثقافي يفترض أن يوحد أبناء الإقليم إلى مصدر للتذمر والإحساس بالإقصاء.

فبيلماون أكبر من أن يحتكر وأغنى من أن يختزل وأسمى من أن يتحول إلى مناسبة تطرح حولها كل هذه الأسئلة المحرجة اليوم أكثر من أي وقت مضى أصبح من حق الرأي العام أن يعرف: من يستفيد فعلا من بيلماون؟ ومن يمثل بيلماون؟ ومن يقرر باسم عمالة كاملة؟ وهل يتم توظيف الدعم العمومي بما يحقق المصلحة العامة أم أن هناك فجوة كبيرة بين حجم التمويلات المعبأة وحجم المخرجات المحققة على أرض الواقع؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.